لا يمكن اكتمال بحث "الحالة المصرية" من زاوية الدعوات إلي إنعزالها ، دون أن نتعرض بشكل مناسب لعلاقة فكرة "الحياد" و "عدم الإنحياز" بذلك ، أخذاً في الإعتبار أن مصر من الدول المؤسسة لحركة عدم الإنحياز.
الحياد القانوني (Neutrality):هو وضع قانوني منظم يحكم سلوك الدولة في زمن الحرب، وكذلك سلوك باقي الدول المتحاربة حيالها، ويستند إطارها القانوني علي اتفاقيات لاهاي 1907 وقواعد القانون الدولي الإنساني، وأيضاً ميثاق الأمم المتحدة (وإن كان بشكل غير مباشر وفي ظل قيود معينة).
وهذا الحياد "القانوني" ، ملزم قانونيًا ، ويُطبق أساسًا في حالة نزاع مسلح قائم، ويتضمن حقوقًا وواجبات واضحة، ومن أهم إلتزامات الدولة التي تعلن حيادها بشكل قانوني ملزم هي: عدم المشاركة في الحرب، عدم دعم أي طرف عسكريًا، منع استخدام أراضيها لأغراض عسكرية (والمثال البارز هو حالة سويسرا) .
أما عدم الانحياز (Non-Alignment) فهو ليس وضعاً قانونياً، وإنما موقف سياسي يهدف إلى تجنب الانضمام إلى محاور أو تحالفات كبرى، وهو اتجاه نشأ خلال الحرب الباردة ، تأسس رسميًا عبر حركة عدم الانحياز، وكانت مصر بقيادة عبد الناصر أبرز قادة هذه الحركة ، ومعه الزعيم الهندي جواهر لال نهرو، ورئيس يوغوسلافيا جوزيف بروز تيتو.
وهكذا كان "عدم الإنحياز" في مفهومه الحقيقي غير ملزم قانونيًا ، ويُطبق في زمن السلم والحرب، وبالتالي كان مرناً وقابلاً للتكيف.
ولقد كان مفهوماً أن دول الحركة تستطيع أن تعقد تحالفات، وتتدخل سياسياً بل وحتي عسكرياً، ولكنها في كل الأحوال تحتفظ بإستقلال قرارها وهو ما يعني أن عدم الإنحياز هو مجرد خيار سياسي مرن ، ولكن لا يمثل إلتزاماً قانونياً علي الدولة التي تنتمي إليه، أو علي الدول الأخرى المتعاملة معها.
فإذا كان الحياد القانوني هو حالة قانونية ملزمة، فإن عدم الإنحياز هو أسلوب سياسي غير ملزم، ولو أنه حالة دائمة بينما الحياد يظهر أثره وقت الحرب، وإذا كانت التحالفات مرفوضة في حالة الحياد ، فإنها ممكنة في حالة عدم الإنحياز ، ويمكن القول أن كل دولة محايدة قانونيًا هي “غير منحازة” سياسيًا، لكن ليس كل دولة غير منحازة هي محايدة قانونيًا ، أي أن الحياد مستوى أعلى وأكثر تقييدًا، بينما عدم الانحياز هو إطار أوسع وأكثر مرونة.
وربما السؤال الذي يلح في طلب الإجابة، وفي حالة مصر علي وجه الخصوص، وفي ظل دعوات "مصر أولاً" المتزيدة ، علي الأخص... هل لا تزال حركة عدم الانحياز ذات جدوى؟
بعد نهاية الحرب الباردة، انتهت الثنائية القطبية (أمريكا – الاتحاد السوفيتي)، مما أدى إلى تراجع الدور التقليدي للحركة، بل وفقدان “العدو/المحور المقابل” الذي كانت تتوازن معه .
وقد عجزت الحركة أن تطور نفسها كي تتواءم مع المتغيرات الدولية المستجدة، أو لإيضاح "عدم إنحياز لمن أو ضد من ؟" رغم استمرار أحوال عدم المساواة الدولية، واستمرار بحث دول الجنوب عن صوت جماعي يمثل مصالحها.
ذلك رغماً مع عودة أشكال أخري للتنافس الدولي، والذي عاد عاد بشكل مختلف (أمريكا–الصين مثلاً )، ومع إستمرار الحاجة إلي الإستقلال الإستراتيجي ، من الواضح أن دولاً كثيرة لا زالت لا تريد الانحياز الكامل لأي محور.
ولازالت التحديات الحالية للحركة تتمثل في: ضعف التماسك الداخلي، وتباين مصالح الأعضاء، مع غياب مشروع موحد واضح، أي أنها لم تعد “كتلة سياسية صلبة” كما كانت، ورغم ذلك فلا تزال هناك بعض الفائدة في الإحتفاظ بإطارها مع حقنه ببعض المبادرات الدبلوماسية والقانونية التي تتيح ذلك الإطار (ولو في شكل عددي أقل) ، أن تكون معبرة كمنصة دبلوماسية تتيح تنسيق مواقف الدول النامية، من أجل تحسين شروط التعامل مع القوى الكبرى، أو بمعني آخر أن تصبح سياقاً للإستقلال الاستراتيجي، كبديل لفكرة عدم الانحياز، دون التخلي عن إسمها التاريخي، حتي تظل خياراً سياسياً مرناً، يتطور إلى ما يسمى اليوم: "الانخراط الانتقائي" (Selective Engagement) تحقق "التوازن بين القوى" .
وفي تصوري أنه في عالم اليوم، لم تعد الدول تسأل: "هل ننحاز أم لا؟" ، بل:" كيف ننحاز جزئيًا دون أن نفقد استقلالنا؟". وهذا هو التطور الحقيقي لفكرة عدم الانحياز في القرن الحادي والعشرين.
----------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق







